Sunday, 12 April 2009

موزارت الأدب



1

هل كانَ موزرات، الموسيقي العالمي، صاحبِ أروع السمفونيات والأوبرات العالمية يحتفظ بكامل ما يكتبُ في رأسه؟ كانَ موزرات، بعدَ أن يتمّ تأليف سمفونية ما، يجلسُ في الصالون، ويبدأ في استنساخها على الورق. أصدقائه قالوا أنهم ذهبوا إلى بيته ذاتَ مرةٍ ليرافقهم إلى البار لقضاء سهرة طيبة، فوجوده قاعدًا على الكرسي أمامَ ورقة يكتبُ، فتحركوا على رؤوس أصابعهم منسحبين، إلاّ أنه انتبه لوجودهم وطلبَ منهم الجلوس بقربه ريثما ينتهي من استنساخ سمفونيته الجديدة، وحينَ أبدو تعجبهم لما سمعوه منه، إذ أنه يملكُ ورقة واحدة ولا مسودّة يبيّضها، قالَ لهم بأنه ينسخُ السمفونية من رأسه.

2

الخطاب الأدبي يحتاجُ أحيانًا إلى استعادة عدّة أوراق وتنظيم مجرى الكتابة. تصوّروا مثلاً كاتبًا يجلسُ ساعةً لوحده دونَ ورق وهو يحدّق في نافذة غرفته، ثمّ في اليوم التالي يجلسُ أمامَ أكداس الورق، ويملأها بكل ما خطر في باله في الليلة السابقة وعيناه شاهقتان في النافذة.

3

التحدّثُ إلى القارئ أشبه بخطاب دراماتيكي مركّب وزائف، تملأهُ الشوائب والتناقضات والمشاكل المتراكمة فوقَ بعضها البعض، لتسمّى في النهاية (موقفًا). يمكن اعتبَار الكاتب، جنديًا مجهولاً رغمَ تلألئ اسمه فوقَ أو تحت نصه، فالقارئ لا يعرفُ الكاتبَ إلاّ بالإسم أو بالصورة الكلاسيكية المضحكة على رأس المقال، عابسَ الوجه، شعره مسرّحًا بطريقة فنتازية أو ربّما ينظرُ إلى سماء معلّقةً في البعيد وكأنه يبحثُ عن شيء لا يعرفُ القارئ ما هو. ماذا لو ماتَ موزرات دونَ أن يدوّن موسيقاه؟ كنّا قد خسرنا الكثير، وما كانت فيروز ستغنّي بألحانه (يا أنا يا أنا). وربما لم تكن هناكَ مدارس ومؤسسات اليوم تناقش مؤلفاته وأوبراته، وما كان بيتهوفن بذاتِ القوة التي هو عليها اليوم، بعدَ أن استفاذ من مؤلفات سلفه.

4

سأروي لكم ما أقصده بهذه المقالة، ولكن دعوني الأن أتحّث عن تاريخ صورة الكاتب. فهي ترجع إلى زمن بعيد، أيام كان الأديب أسطورة، وكانَ يرتدي القبعات الإفرنجية والبذلات المهندمة وربطات العنق الملتوية على عنقه حدّ الخنق، وللأسف الشديد – طبعًا – كانَ على (..)، وهو شاعر شاب جميل، متناقض الأفكار، كثيرَ البكاء على الأطلال أن يرتدي بذلات محترمة أو حتى قمصانًا وبنطولونات قماش وأن يسرّحُ شعره إلى الخلف، وأن يسير بطريقة تراجيدية، لكي يعتبره من يراه كاتبًا وفيلسوفًا محترمًا، يفكّر بأشياء لا يمكن للمخلوق العادي أن يفكرَ فيها، ومن هذه النقطة بالتحديد، قررتُ الكتابة عنه.

في الحقيقة، التقيتُ بذلكَ المخلوق الكاتب في عدّة مناسبات، وتناقشنا حولَ الوضع الثقافي وأخر التطورات على الساحة الأدبية، ولم أرتَح أبدًا لمظهره الذي كان يبدو فيه كتشارلز ديكنز، هاربًا من صورة عتيقة في متحفٍ انكليزي كلاسيكي. وهو بدوره لم يشعر بالراحة تجاهي لأنني كنتُ أرتدي سروال جينز فضفاض وقميص كُتب عليه كلمات غريبة لمحطة قطارات في نيويورك على ما أعتقد. وحينَ قلتُ له أنني كاتب، بدأ عليهِ الإنزعاج، وسألني على الفور عن كتاباتي، فقلتُ له (القصة القصيرة، وأكتبُ رواية في الوقت الحالي). وحينَ سألته عن كتاباته، قالَ أنه يكتب اطروحات فكرية حولَ نظريات نيتشة وبنيوية ميشيل فوكو، وما بعدَ الحداثة لدى الكتّاب الأمريكان الجدد، كما أنّه كتبَ روايتين عن آيديولوجيا الأرض، بالإضافة إلى ملحمة شعرية بعنوان (المنفى)، يعتقدُ بأنها ستكونُ أشبه بملحمة (أحمد الزعتر) لـ محمود درويش.

5

المشكلة يا سادة، أنني استعدتُ قصة موزارت وكتابة مؤلفاته الموسيقية في رأسه، حينَ لم أقرأ يومًا كتب المخلوق الكاتب التراجيدي، بل وحينَ استضافني في بيته، وطلبتُ رؤية مخطوطات ما يكتبه، كانَ يجيب، أنه لا يملكُ الوقت الكافي لإضاعة وقته في الكتابة، وأنّه موزارت الأدب، إذ أنه يحتفظ بكتاباته في رأسهِ، كي لا يضيّع الوقت في كتابتها، ومن ثمّ يندمُ على نشرها.

Tuesday, 2 September 2008

مجلة "جسد" الثقافية وتصورات الكلمة التي صارت جسداً



عن مؤسسة "الجمانة" للنشر والترجمة والإستشارات الأدبية - بيروت، يصدر هذا الشهر العدد الأول من مجلة "جسد" الثقافية الفصلية والمتخصصة في آداب الجسد وفنونه. هذه المجلة، والتي جاءت كالقنبلة على رأس الكثير من الأدباء والروائيين والنقاد والشعراء والمستشعرين، وحتى الناس العاديين، في لبنان والوطن العربي، دفعت الجميع لإرسال إيميلات ورسائل إلى رئيسة تحرير المجلة، الشاعرة والصحفية اللبنانية "جمانة حداد"، وكانت بعض هذه الرسائل إعجاب وتصفيق على شجاعة المحررة والفكرة الجميلة والفريدة من نوعها التي تقوم بإنجازها، وبعضها الأخر توعيظي واستفزازي دفعَ بالمحررة لأن تكتب مقالاً طويلاً عن هؤلاء المستفزين، نشرته البارحة في جريدة "النهار" البيروتية و"كيكا" الإلكترونية، تعرف فيه المجلة بعدَ أن قامت بالدفاع عنها والرد على كلِ من عارضَ فكرتها، فتقول: ("جسد" هي في اختصار مشروع ثقافي وفكري وأدبي وفني جدّي، تطلّب الكثير من التفكير والتمحيص قبل أن يتبلور ويتكوّن. وهو مشروع ينتمي الى الجسد، جسد الحياة، جسد العقل وجسد القلب وجسد اللغة. بل ينتمي الى جسد الجسد". وتضيف "حداد" المحررة الثقافية في جريدة "النهار" والسكرتيرة العامة للـ "الجائزة العالمية للرواية العربية" عن مشروعها الجديد: "هذا المشروع ليس له من هدف سوى ذاته. أي أن يسأل عن وعي الجسد، وعن لاوعيه، متأملاً، باحثاً، منقّباً، مختبراً، مسلساً، متمرداً، مستيقظاً، نائماً، حالماً، رائياً، مهلوساً، كاتباً، ناحتاً، راسماً، راقصاً، وخالقاً جسداً للجسد، وهذا كلّه ضمن مغامرة الحرية التي لا يزال الجسد في أوّلها، ودائماً في أوّلها، كما لغاته وتجلياته، لا تزال في أوّلها. وتظلّ).

وتنطلق فكرة المجلة من ما كتبه الشاعر الألماني "نوفاليس" ذات مرة، أن "هناك معبداً وحيداً حقيقياً على هذه الأرض، هو جسد الإنسان"، وتحاول فيها المجلة أيضاً كسر ما يسمى بالتابو، ليكون هذا المشروع حديقةً يتنفس فيها المثقفين دونَ أن يقومَ بإعتراضهم ما يسمى بـ "الرقابة".

والأسماء المشاركة في العدد الأول تعطي قيمةً أكبر للمجلة ودورها، وأنطباعاً لدى القارئ لمدى جديتها ورصانتها، وبُعدها كل البُعد عن "البورنوغرافيا". فمن الأسماء اللامعة والمشاركة في كتابة نصوص العدد الأول: "الطاهر بنجلون، اسكندر حبش، عباس بيضون، عبده وازن (صاحب نص "حديقة الحواس" (الجسدي) أو نص الدهشة)، هاجر صالح وفدوى القاسم. كذلكَ تتحدث الكاتبة الفرنسية "كاترين مييه" عن حياتها الجنسية في حوار أجرته مع "جمانة حداد" بعد نشرها لكتابها "حياة كاترين الجنسية".

كما أن عناوين نصوص العدد، والتي نشرت في إعلان المجلة عبرت بهدوء تام عن عنوان المجلة، فتقدم لنا المجلة تصوراً عن العري، وكذلكَ المثلية وحياة الشذوذ الجنسي من خلال عنوان "أنا مثلي إذاً أنا غير موجود" و"كيفَ تغازل امرأةٌ أمرأة أخرى"، وكذلكَ عن فن البورنو في "صناعة البورنو وكواليس الرعشة الميكانيكية"، ودراما النهد في "نهداي وأنا"، وأبتسامة شيقة على وجه القارئ وهو يقرأ عنوان "مؤخرة زوجتي"، وشيء يشبه التحقيق ولا يدري القارئ حقاً حينَ يقرأ "كيف يمارسون الحب في ماليزيا". كذلكَ يتضمن العدد العديد من النصوص الأدبية والريبورتاجات والأبحاث والمقالات المتنوعة، كما تتنوع على صفحاته اللوحات بريشات فنانين عرب وأجانب، تقوم على أساس ماهية ولغز الجسد. كما أن المجلة تضم أبواباً ثابتة كالأخبار وجديد المكتبات وغيرها من الصفحات التي عادةً ما تزين المجلات الثقافية الكثيرة / القليلة في العالم العربي.

وفي إعلان المجلة، قيلَ أيضاً بأن قناة البي بي سي تقوم حالياً بإعداد فيلم وثائقي عن المجلة، وحولى فكرة تكونها وكيف سيستقبلها القارئ والمثقف العربي.

كما أن هناكَ نقطة أخرى أشير لها هنا، لأنها قد تكون عثرة في وجه طموحات المجلة: الرقابة، وكيفية تعاملها مع المجلة، فنحن لا ننسى مثلاً أن الرقابة تسعى لفرض نفسها في كل صغيرة وكبيرة، خاصةً في الأدب، إذ أنها لا تجد قوتها إلا في وجه الأدباء المساكين والعاملين عليها. ورداً على من يقول بأن الرقابة في لبنان أقل شدةً على الدول الأخرى، فإنني أضع "حديقة الحواس" لعبده وازن تحت المجهر معبراً عن "بهدلتها" مما سببته الرقابة في لبنان لها، ولكن ربما الرقابة في لبنان اليوم أقل شدةً، ولكن ماذا عن الدول العربية الأخرى، والتي أجهزة الرقابة الثقافية – جميلة جملة "الرقابة الثقافية" صح؟ – فيها صارمة.

المجلة ودون شك معرضة للرقابة، ومعرضة للمنع في بعض الدول العربية، ومعرضة لحملة ضدها، ولكن هل سيستطيع هذا المشروع كسر الرقابة وكسر هذه الحواجز، سؤال لا نقدر على الإجابة عليه إلا بعد صدور العدد.

وفي المقال الذي نشرته المحررة دفاعاً عن مشروعها، سألت نفسها، أو ربما سألها البعض في رسائله عن: "لماذا لم تجعلي جسد مجلة إلكترونية، لتجتنبي بذلكَ أي رقابة محتملة عليها؟"

قبل أن أقرأ إجابة المحررة، فكرت مالياً بالأمر، لماذا لم يظهر في العالم العربي موقع ثقافي يهتم بفنون الجسد. كان سؤالاً غريباً، خطرَ في بالي فجأةً، وجعلني أفكرُ، ولكن الجواب ليس بعيداً: "لأن الكثيرين من المثقفين العرب سيرون الفكرة عبارة عن مضيعة للوقت، ففكرة أن تخصص لفنون الجسد فسحةً ما، هي مضيعةً للوقت، هكذا يقول بعض المثقفين، أما البعض الأخر، فأظن لأن الهموم السياسية، والحياة والمشاريع التي يحلمون بها ولم/ـن تتحقق، تجعلهم بشكل أو بأخر ينسون دور أجسادهم، فكيف لا ينسوا ثقافة الجسد. ولكن حينَ يتحقق الحلم ويخرج من جهة ما، وقتها فقط يجعلنا ننتبه أننا تأخرنا جداً، ولكن لعل هذا التأخير لصالحنا!

كما يذكر بأن "جسد" ملونة، ذو طبعة فاخرة، ولوحة غلاف العدد الأول للفنانة "نينار اسبر"، وستصدر هذا الشهر في لبنان، ويعتمد فيها كذلكَ الإشتراك البريدي.

***

فكرة الجسد في الأدب بشكل عام – أقول الجسد وليس "جسد"- فكرة أصبحت تقليدية وقديمة وأظننا حتى وإن لم يفهمنا البعض، إلا أننا تجاوزناها، ولكن فكرة "جسد" – المجلة – يمكن اعتبارها فكرة حديثة وغير تقليدية، ذلكَ أن للجسد فنون، أظن كما يظن الكثيرين بأن هذه المجلة ستظهرها، وتشرحها وتحللها، وستظهر لنا فن الجسد الراقي، وجماله الخلقي ومدى سحره وسط الكلمات. وهذا المشروع لن يمر مرور الكرام، لن يموت، ولن يخيب أملنا فيه، في بادئ الأمر، لم نتحمس، ولكننا وكلما تعمقنا وفكرنا في الموضوع، نجد بأن الحماس يذب فينا. "جسد" ليست البداية، ولكنها النقلة، أو ربما ثمرة الصبر.


Tuesday, 26 August 2008

أحلام القبلاوي الوردية



القصة القصيرة الحديثة تعتمد بشكل أو بأخر على طريقة أدبية جديدة في التعامل معها، وبناء سردي عميق وأدوات فنّية لم نعتد عليها في معظم القصص القصيرة التي أنتجتها الأجيال السابقة، ومن أهم مميزاتها: الإختصار، تقصير الجمل، التقطيع وتشتت الأحداث حتى تكون في إطار قصة قصيرة. أما بعض القصص الكلاسيكية فيمكن أن نطلق عليها بـ "الرواية القصيرة جداً". فالرواية هيَ خلق عالم موازي لهذا العالم، وأن يعتمد على بناء أكثر من مشهد وأكثر من حوار وبه 4 شخصيات أو أكثر، وهذا ما نراه غالباً في القصص القصيرة الكلاسيكية. وبذلكَ يمكننا على سبيل المثال أن نضع أغلب قصص بورخيس تحت خانة "روايات قصيرة جداً"، وهذا ينطبق أيضاً على قصص "إحسان عبد القدوس" وغيرهما.

أمّا في المشهد القصصي الليبي، فإن الأسماء القصصية البارزة لا تكاد تنحصر على أصابع اليدا العشرة، أما الأسماء الحديثة فإنها بالكاد تنحصر بين خمسة أو سبعة أسماء ليس أكثر، وقد ظهرت هذه الأسماء في نهاية التسعينات، مع بداية ثورة الإنترنت، فقد ظهر في ليبيا جيل قصصي جديد يعتمد في كتابته للقصة القصيرة على معايير معينة وشديدة الخصوصية، خاصةً تلك التي تحمل في طياتها سرداً متزن وعمقاً فلسفياً، وثقافةٌ هي حاصل القراءات الأدبية والثقافية التي لم تكن موجودة في الثمانينات والسبعينات، مما سببت بعقم ثقافي إن لم تكن كارثة ثقافية.

ولا أخفي أنني مقصر جداً من ناحية متابعتي للأدب المكتوب بأيدٍ ليبية، وخاصةً في المشهد القصصي، ولكن في ذات الوقت، أحاول أن أتابع وأقرأ بشكل أو بأخر أي عنوان أو إسم جديد في القصة أو الرواية الليبية من خلال المواقع الإلكترونية الليبية المختصة في نشر النتاجات الأدبية، ولعل تعرفي على الدكتور غازي القبلاوي، الكاتب والطبيب الليبي المقيم في لندن كانت فرصة للبدء بمتابعة القصة الليبية الحديثة، وكانت البداية حقاً حينَ أهداني القبلاوي مجموعته القصصية الصادرة عن "المؤسسة العربية للدراسات والنشر" والتي اختار لها عنواناً مقتبساً من جملة في النص الأخير من الكتاب: "وجه لا يعرف الحزن".

المجموعة التي تنقسم قصصها بين الدرامي والتاريخي والفلسفي والإجتماعي، يأخذنا فيها القبلاوي عبر رحلة كتابة لهذه النصوص دامت سبع سنوات، وهي حصيلة ساعات قليلة من عمر الكاتب انزوى فيها بنفسه ليحكي قصصاً لطالما كان الطب حائلا بينه وبينها. وقد شدتني في المجموعة بعض القصص التي يكفّن عالمها الغموض، والقصص التي لم أعتد على قرائتها كقصة "ثامنهم"، والتي تعتبر مكملّة قصة "أصحاب الكهف" التي نشرها الكاتب ضمنَ مجموعته القصصية الأولى "إلى متى؟"، وكذلكَ قصة "الإمبراطور" التاريخية، والتي أراها، كما يراها الكثيرين، مشروع رواية أكثر من مشروع قصة. وكذلكَ قصة "حلم وردي" والتي لي رغبةً في الكتابة عنها أكثر من سواها.

يمكن وضع هذه القصة تحت خانة أدب الرحلات، يوميات أو فنتازيا. نرى الكاتب يعتمد فيها اعتماداً قوياً على اختزال اللحظة واللعب بعقارب الوقت، إذ أنه يبدأ القصة بالمشهد الأخير وينتقل بطريقة الفلاش باك لما قبل المشهد الأخير، ثم المشهد الذي كان يجب أن يكون المشهد الأول، وينهي قصته بمشهد أخير يجمّع فيه كل المشاهد التي سبقته، وكأنه مرآة انعكست فيها كل الذي يجب أن يقال.

أعتبر هذه الطريقة حديثة وتجريبية، ويجب أن نعترف بأن القبلاوي قد نجح في بناءها. فهذه القصة تحمل معانٍ ورموزا وحكايات تشدّ القارئ، وفي نفس الوقت كانت طريقة صياغتها أقرب إلى الحكاية منها إلى اليوميات كما ذكرنا. وفيها أيضاً، يكتب القبلاوي بأسلوب أخر غير الذي اعتدناه في معظم قصصه سواءاً التي بين غلاف مجموعته الأولى "إلى متى؟" أو في هذه المجموعة "وجه لا يعرف الحزن". نراه يعتمد على بناء اللحظة وينسج من تلك الدقائق الصغيرة واقعاً مريراً باسلوب شاعري ورغبةً حميمة للبوح، ومن هذا الأسلوب نرى فيه الإنعطاف الكبير عن باقي قصص المجموعة، وكأنه يحاول إقناع القارئ بأن القصص في كتاب واحد يجب أن تكون بشكل أو بأخر مختلفة في السرد والأسلوب، خاصةً في الفكرة وطريقة تناولها.

أجواء القصة شاحبة، يبدأ القبلاوي القصة بمشهداً انعزالي، حيث بطل القصة وصديقه "عزيز" الذي يرتدي نظاره مهشمة جالسين في مطار "شارل ديجول" بباريس وهما منذ ثلاثة أيام في انتظار الطائرة التي ستعود بهما إلى طرابلس. يفسّر لنا القاص ذلك الأمر أنهما حين لحقا بالطائرة ووقفا أمام الضابط المسؤول عن الجوازات، منعهم من العودة بعد أن شاهد جوازات سفرهما الخضراء (جواز السفر الليبي)، فيبدأ بوصف الملل ونفاذ الفرنكات الفرنسية وهما لا يزالان في حجرة الإنتظار في انتظار الطائرة التي دون شك، ستكون كملاكِ رحمة. وفي هذا المشهد، يأخذنا الوصف الدقيق لساعات الإنتظار، فإحدى مميزات القصة أن الكاتب استطاع في كل قسم منها أن يوظّف أسلوباً ما يكون المسيطر على الأجواء السردية، فا في وصفه الدقيق في القسم الأول عن غرفة الجلوس وعن الناس الذين انتظروا لدقائق معدودة ثم تلاشوا، وهما (البطل وصديقه) وحدهما اللذين اعتادا على وجوه عمّال المطار والعمّال اعتادوا على وجودهما وغيرها من السرد السريع الذي يمكننا أن نلاحظ فيه عمق الوصف الممتزجة مع الشاعرية السردية المستوحاة من لحظاتٍ كئيبة وأجواءِ غائمة على النفس لنرى ذاك الحسد المنبعث من نفس البطل لهؤلاء الذين تشبثوا باللحظة ولم يتوقف بهم الزمن في غرفة الإنتظار، فينهي القسم الأول بشيءٍ من زفرةَ ملل قائلاً: "الرحلة الأخيرة القادمة من أسبانيا انفض ركّابها ليذوبوا في ليل باريس الخريفي".

أما في المشهد الثاني يعود بنا السارد إلى أيام باريس قبل الرحيل، المشهد في حجرة معتمة في الفندق، و (عزيز) يقلب محطات التلفاز دون أن يستخدم نظاراته. البطل يحكي لنا عن شياطين غريبة في هذه الغرفة، والقارئ بدوره يفكر أين هذه الشياطين وماهي في الأصل هذه الشياطين. فيكمل السارد وصفه للغرفة التي تشبه زنزانة معتمة، وفي هذا السطر تظهر لنا الشياطين حين تتقلص الغرفة لتلك الزنزانة التي يتوهمها البطل، فتدخل القصة بهذا إلى نوع من الفانتازيا والكوابيس المزعجة، التي يحاول فيها الكاتب أن يكتب عن عالمه المتخيل، وأن يجعلَ كما في أغلب قصص المجموعة، الخيال والفانتازيا جزء مهم في واقع عالمه السردي. وفكرة الشياطين في المشهد أضافت شخصيات أخرى ليست موجودة في المشهد واقعاً، ولكنها تتكون في العقل الباطن للقارئ، وربما هذه الطريقة في العرض هي التي أعطت ميزةً سردية لهذا المشهد. كذلكَ بعد حوار صغير بين البطل وصديقه (عزيز) نجد أن الشياطين تعود في أخر المشهد وبقوة، فيقول الراوي مغلقاً أبواب المشهد: "لدي موعد إجباري مع شياطيني هذه الليلة". وأي شياطين لا يعرفها غيركَ يا القبلاوي?.

بعدَ وصف دقيق لملامح الـ "سان ميشيل" في قلب باريس، ونعومة بداية الخريف، والأزقة التي على جوانبها محلات لبيع المشاوي، وحيث سيجلس الراوي وصديقه "ماجد" الذي يودّ أن يكون غريبَ الأطوار، أشعر كقارئ أن هذا المشهد هو الأكثر واقعية، وجذاباً أكثر من المشهدان اللذان قبله والمشهد الذي سيكون بعده، من حيث تنسيق الحوار وادخال بعض اللقطات التي تجذب القارئ كالباريسية الحسناء التي: "تتهادى من الطرف الأخر". وكذلكَ نظريات "ماجد" الغريبة حولَ الحياة، ومن هذه النظريات على سبيل المثال: "الإخصاء الإجتماعي"، و"النظرية الوردية" التي مفادها أن: "تستيقظ صباحاً، وبدلاً من أن ترى الأشياء والعالم من حولكَ بألوانها الحقيقة، تراها باللون الوردي وأن العالم أصبحَ وردياً وأن الناس أصبحوا ورديين، وأصبحوا يتصفون بنعومة وسكينة هذا اللون الجميل، وأن علاقتنا أصبحت وردية...". هذه النظرية تسحب حواس الراوي ولكن لا نعرف إلى أين بالضبط. لعلّ "النظرية الوردية" هي المثال الأنسبَ للعالم الذي لن يتحقق، أو الخلاص المقيّد. وإن تخيلنا العالم اليوم وردياً، فكيفَ هو مشهد الحرب مع هذا اللون؟ كيفَ سيكون مشهدَ ورديٌ لقنبلة تنفجر في سوق ما أو في مسجد أو كنيسة؟ كيف ستكون مشهد الدماء في العالم الوردي؟ لن تكون هناكَ دماء، أو على الأقل، لن نشعُرَ بأن هناك دماء. هذه النظرية التي انفجرت في جملتين من المشهد الثالث من القصة، تعود وبقوة في المشهد الأخير، والراوي في ميناء طرابلس حينَ يلتقي بأخيه. شعرَ الراوي باللون الوردي يحتل العالمَ ساعةَ كان مفتش الميناء يمسك رواية إنكليزية كانت في جيب الراوي بالمقلوب، و"راح يتصفح بلا مبالاة". حتى المرارة التي كانت في حلق الراوي، شعرَ بأنها وردية. يقول الراوي في أخر أسطر القصة: " أنظر إلى السماء، إلى البحر، إلى الطريق، إلى وجوه الناس، فأراها بلون وردي باهث، رائحة البحر وردية والشمس تلقي بحممها الوردية، حتى وجه أخي الذي اتى لاستقبالي بدا وردياً".

Wednesday, 20 August 2008

لون أسود





مشهد1

زخات المطر تتحرك برقة على زجاج النافذة، لتسحر حواسي وأنا أراقب تحرك قطرة تتداخل مع قطرات أخرى وتكمل طريقها نحو أسفل الزجاج. كوب النسكافيه الساخن هو الأخر بالقرب من النافذة، بخاره المتصاعد يكون دائرة ضبابية على الزجاج، أضع اصبعي عليه وأكتب الأحرف الأولى من اسمينا وسط لهيب قلب، ومن ثم أتأمله وأضحك، أرفع الكوب وأرشف منه قليلاً وصوت الرعد يشعرني ببرد الغرفة لأرى السرير في الجهة المقابلة جنة تنتظر قدومي. أعدت عيناي للمطر خارج الغرفة بعد أن شعرت بخوف من الفراش الأبيض، تذكرت نصاً كتبته الكاتبة اللبنانية "لنا عبد الرحمن" عن الفراش الأبيض. كان يذكرها بكفن، فخفت أن أنام تحت اللون الأبيض لأنهض بين يدا الموت.

فلاش باك 1

حقاً لا أدري أي رغبة هذه التي تدفعني لعشقكِ، لعشق الأسود في حياتي، وفتيل البعد بيننا، أنا الهارب من قطعة الأرض التي سميت سهواً "وطناً"، وأنتِ عاشقة التراب المتعطش للدماء، في هذا الذي بيننا أرى السواد الذي أعشقه، غرفتي المظلمة والتي تحجب أغصان شجرة مقابلة للنافذة ضوء القمر ليتخلله... الضوء الخافت المنعكس على نهر التايمز كل ليلة حين أخرج من سوهو وأسير إلى أن أصل هناك لأراقب عتمة النهر المختلطة بضوء خافت، وضجيج بعيد يصلني عثرات صداً أناس منسيين... البار القريب من الغرفة حيث أمضي الليل في عتمة أمام كأس النبيذ وبقعة ضوءٍ تسقط على منصة البار البعيد عنّي، هناك العاملة تنظم الكؤوس ببط وحذر شديدين، لحظتها وأنا أحتسي الكأس تلوَ الأخر أتذكركِ، تجتاحني الرغبة فيكِ، تختلط المشاعر فتلد اكتئاباً، ابتسم لحظة وأغمض عينيّ لوهلة، استلذ برؤية البار المعتم يعيش في صمت وسكون، أشعر بلوثة الخمرة تمتد في رأسي، أخرج قطعة نقدية أضعها على الطاولة وأختفي وسط الضباب حتى اصل غرفتي الكاحلة. هناكَ أرمي الجاكيت على الأرض وأمسك صحيفة أرى مواقف "حماس" سرعان ما أرميها ضاحكاً، أفتح التلفاز لأرى ردود "فتح" سرعان ما أقفله مقهقهاً، ومن ثم أقفل الأضواء. يتمدد جسدي على السرير في العتمة، الغرفة سوداء، أستمتع برؤيتها هذه المرة كذلك، تشعرني بوجودكِ جانبي، الضوء يوقظني من أوهامي ويشعرني بالوحدة، بينما العتمة تبعدني عن الحياة وتخلقكِ بجانبي، تنسيني الموت وتذكرني بكِ، تسيل الدمع قطرات نهراً مالحاً على خدي، مالحة كما هي أحلامنا، تسيل بصمت كما هي فجيعتنا وتسقط على وسادة دافئة كما هي قصتنا. ألتفت يميناً فأرى صورة "حنظلة" الصغير مرسومة على الحائط، أبتسم.

فلاش باك 2

قلتِ لي في رسالة وصلتني ذاتَ صباحٍ رمضاني باكر، أنكِ تعرفين حنظلة، ترينه كثيراً على الجدران والحيطان في مدينتكِ، إلاّ أنكِ لا تعرفين أن من رسمه كان "ناجي العلي". أرى صورة حنظلة أمامي على الحائط، يمد لي ظهره، لا يرضى أن ينظر نحوي، كأنه يسخر منّي، ونظراتي له كأنني أتوسله فيها أن يلتفت لي لأتحدث معه ولنتشارك أحزاننا، بقعة دمٍ واحدة.

أذكر أنني أول مرة دخلت فيها هذه الغرفة، كنت على يقينٍ أنني سأرفض الحياة فيها حتى ليومٍ واحد فقط، كانَ ذلكَ بعد أن شاهدت رداءة الشارع، وقذارة الممر الذي يؤدي إليها. وحينَ دخلت برفقة صاحب الغرفة، حلقت ببصري في الحيطان، وعلى حين غرّة، فاجئتني صورة "حنظلة" الصغيرة المرسومة بأحمر الشفاه، وكأنه ضرب لي موعداً هنا، بمظهره الإستفزازي، وشعيرات رأسه القليلة، ولباسه المهتري. وضعت حقائبي وتأملت الصورة من بعيد وعيناي جاحظتان، كأنني كنت خائف منها، لاحظ صاحب الغرفة ذلكَ فسارع نحوها وهو يعدني بمسحها إن كانت مزعجة، ابتسمت له وأنا أقول أن هذا الشخص هو وحده السبب في بقائي في هذه الغرفة، ومن ثم سألته عن الذي رسمها على هذا الحائط، فقال لي أنها فتاة فلسطينية سكنت هنا لأسبوع، ثم اختفت بعد أن أرسلت له الأجرة ورسالة شكر على الإستضافة، ثم أضاف لي أنها فتاة جميلة جداً، وأنها سحرته، ولولا أن في عينيها صعوبة وتمرد وابتسامة لا تعرف وجهها، لحاول الإقتراب منها.

أتذكر أنني في ذاكَ المساء بقيت صامتاً وأنا أتنقل في الغرفة بتوثر. علقت لوحة على الحائط خلف السرير، لوحة كتبت عليها بالأسود العريض "عائد إلى حيفا، نعم، معكَ غسان"،ومن ثم نمت على السرير وأنا أستنشق عبقَ الوسادة التي كانت تحمل رائحة عطر نسائي فاخر وبضع شعيراتٍ بنية، قلت لنفسي لعلها وضعت رأسها عليها، نامت هنا وأحلامها تصارع الحيطان، تحلم بأمال بحنظلة، حلم صعب المنال.

مشهد 2

الحجرة لا تزال معتمة، المطر لا يزال ينهمر بقوة، وبخار الكابتشينو اختفى، مسكت الكوب بين يداي، فوجدته بارداً، أعدته لمكانه وأنا أراقب جسدي الممدد على الفراش بتكاسل. نهضت بصعوبة لأشعل شمعة على الطاولة في زاوية الغرفة. أخرجت رسالة كتبتها لي ذاتَ مرة، تحمل عنوان "هلوسات" ، علقتها بجانب صورة حنظلة، وتأملتها حتى شعرت بسكرات النوم تغمض لي عيناي على طبقٍ من حزن.

خارج النص

في الصباح الباكر نهضت وكلّي إلهام للكتابة. كتبت خارج النص:

"في الحقيقة، لا يهمني ما سيقوله النقاد وهم يقراءون هذا النص سيقولون أنني تعمدت المباشرة في الطرح وأن ما سأكتبه هنا ليس بقصة قصيرة بقدر ما هي خاطرة أو مقالة، إلاّ أنني لن أعرهم اهتماماً عندما سيتحدثون عن هذا النص، لأنني لم أكتبه لأسمع نقداً بقدر ما كتبته لأعرّي هواجسي نحوكِ، ولهذا أيضاً سأنشره، لأشعر أنكِ تقرئينني كما أنا، وأنني لا أكتب ما أكتبه هنا إلاّ لكِ وحدكِ تعبيراً عن لحظات اختزلتها من ساعات ليل لا ينتهي، إنني لا أكتب ثورة حب لكِ، بل أنني أكتب الخيبات المتلاحقة لأنني أعشق رؤية الهزائم المتلاحقة، أعيش في رحم الهزيمة، وبين ثورات مزيفة تقودني للمجهول. إنني لا أهوى السياسة، قلت لكِ ذلكَ ذاتَ مرة، ولكن السياسة تلاحقني، وتلاحقكِ. لهذا نضطر لمغادرة الأوطان، في منفى اختياري، لأنه لا وجود لما يسمى بإنتماء، إنها كذبة دوّنها الروائيون والكتّاب والصحافيين والقوادين والمرتزقة لسجننا داخل مربع خارجه يسمى الخيانة. كنت دائماً أقول وأنا أسرع خطواتي في الشارع العام والبرد ينخر عظامي أنني لا أشعر بإنتماء لقطعة ارضٍ بقدر إنتمائي للّغة، حتى ولو كانت قواعد النحو فيها تحتاج لترميم. إنني لا أنتمي لقطعة أرض عبدة لسيدها وخاضعةً لقوانين من يحكمها، أو لأرضٍ كجني المصباح من في يده يتحكم فيها، بل إلى لغة تفرض سيطرتها على من نخرَ عظامه في البلاد وفرض عليها سيطرته. حتى أنتِ، لا تنتمين لبلاد بقدر ما تنتمين للغتك. إننا ننتمي للغة ننطق بها ونكتب بها ونخاطب بعضنا بها. لهذا أحب اللون الأسود، أشعر فيه بالإختلاف!".

تركت القلم ووقفت من على الكرسي عائداً إلى السرير مرة أخرى، لأرمي نفسي بقوة وأمدد كل جسدي متأملاً السقف الأبيض، إلاّ أنني لم أنم.

Sunday, 10 August 2008

سنلتقي قريبا محمود







كان موت درويش أخر الإحتمالات، كنت أعتقد أننا سنعيش لنقرأه ونكتب ونموت. وستأتي أجيالاً من بعدنا تعيش وتقرأه وتموت. ولا يزال درويش يكتب قصائده، ولا يزال على قيد الحياة.

Monday, 7 July 2008

أثر الفراشة: أحلام قليلة، وأمال كبيرة



في الأيام الأولى من يناير 2008، صدر عن دار "رياض الريّس" – بيروت، مجموعة من يوميات محمود درويش الجديدة والتي اختار لها عنوان "أثر الفراشة".

هذه اليوميات التي صاغها درويش بأسلوبه الشعري الفريد تناولت قضايا مقتبسة من لحظات قصيرة في يومه، وفي الوقت ذاته تلامس الأوضاع السياسية في داخل كل لحظة من تلك اللحظات. فنرى الشاعر الكبير يحكي لنا كشيخ حكيم ضاق مرارة الحياة وحلاوتها، معبّراً عن فلسطين والحزن معاً، كوجهين لعملة واحدة. وكذلكَ نرى الفكر والفلسفة التي تنبعث من أسطر المجموعة. فنراه على سبيل المثال يحاول الغوص في معانٍ كثيرة لأشياء تمرّ من أمامنا دون الإكتراث لها، وكأنه بهذا يحاول أن يعيد خلق الحياة من تلك الأشياء المنسية. وهذا الأمر يعتبر بالدرجة الأولى فلسفي، إلاّ أن الشاعر وبأسلوب الوصف الشعري الدقيق، استطاع بشكل أو بأخر أن يرسم لنا تلك اللوحات الشعرية بنضج وعمق شديدين، مازجاً بين الفلسفة والفكر والشعر.

في الكثير من القصائد نرى الألم المسكوت عنه، والصراخ الغير مسموع، والنزيف الذي لا يتوقف. نرى عذاب اللحظة، مع بعض المداخلات في عوالم النص، كزهرة العبّاد، أو شجرة ما. هذه الأشياء الصغيرة في الحياة، وظّفها الشاعر بأن تكون هي عنصر يومياته الشعرية، فنراه يقول مثلاً في قصيدة "ليت الفتى شجرة"، والتي بعد أن فرغت من قراءتها أسميتها "تحولات الشجرة":

ألشجرة أخت الشجرة، أو جارتها الطيّبة.الكبيرة تحنو على الصغيرة، وتُمدُّها بما ينقصهامن ظلّ. والطويلة تحنو على القصيرة،وترسل اليها طائراً يؤنسها في الليل. لاشجرة تسطو على ثمرة شجرة أخرى، وإنكانت عاقراً لا تسخر منها.

يكشف لنا الشاعر تحوّلات تلك الشجرة من "كائنٍ" ضخم، شهم، لا يملك في نفسه الحقد أو الأنانية، إلى ما بعد قطعها. فيصوّر لنا أن الشجرة رغم فقدانها لهيبتها وقوتها وضخاتها، إلاّ أنها تملك الشهامة في حفظ الأسرار بعد أن تحولت لباب بيتٍ، أو تعلمها للسباحة بعد أن تحولت إلى زورق، ولا تنقصها عزّة النفس والقدرة على التحمّل. فيقول:

ولم تقتل شجرةٌ شجرةً ولم تقلِّد حَطّاباً. حين صارتزورقاً تعلَّمت السباحة. وحين صارتباباً واصلت المحافظة على الأسرار. وحين صارتمقعداً لم تنسَ سماءها السابقة.

فيما بعد، يكشف لنا الشاعر السر في ذكره للشجرة، وما علاقتها بيومياته، إذ أنه يكشف لنا أن تلك الشجرة صارت المقعد الذي يكتب عليه هو، ويكتب عليه كل الشعراء. فيصفها كائناً يقف احتراماً ليلاً ونهاراً للناس والعابرين، وتكتم أسرار الشعراء حينَ يسهرون وهم يكتبون عليها قصائدهم. أمّا حينَ تحني هذه الطاولة / الشجرة للعاصفة، فإنها تنحني ورأسها عالياً إلى فوق. يقول الشاعر:
وحين صارت طاولة عَلَّمت الشاعر أن لايكون حطاباً. الشجرة مَغْفَرةٌ وسهَرٌ.لا تنام ولا تحلم. لكنها تُؤتمنُ على أسرارالحالمين، تقف على ساقها في الليل والنهار.تقف احتراماً للعابرين وللسماء. الشجرةصلاة واقفة. تبتهل الى فوق. وحينتنحني قليلاً للعاصفة، تنحني بجلال راهبة وتتطلع الى فوق... الى فوق.

ثم ينهي درويش قصيدته تلك بأمنية لشاعر مجهول حرّف محتواها... إذ أنه قال:

وقديماً قال الشاعر: «ليت الفتى حجر». وليته قال:ليت الفتى شجرة!

يمكننا أن نلاحظ العمق الذي يحتل قصائد درويش تلك بمجرد الإنتهاء منها، فالكتاب الذي جاء في 386 صفحة، مليئاً بالعمق والفكر والتشابيه واللحظات العابرة في حياة الشاعر، فمثل قصيدة "ليت الفتى شجرة" وغيرها من القصائد واليوميات الأخرى، يعبّر درويش عن وجعه المتعلق بوجع هذه الأشياء المنسية التي تعبّر عن فلسطين، تعبّر عن حيفا ورام الله ومدناً لطالما رافقت قصائده. فتلك الشجرة هي فلسطين، وهي نفس الشاعر، وهي الحياة. لقد استطاع أن يضع رمزاً واحداً لأكثر من وجه ولأكثر من شي. فهذه الكلمات المختصرة التي كتبت بقلم درويش، تخترق بكل سهولة وجع نفس القارئ وتغزو تفكيره بدمٍ وقوة. يقرّب حسّه الشعري تارةً، وفلسفته تارةً أخرى، والقليل من الكلمات، كثير من الأمل، الشعر والحياة أيضاً.

Sunday, 6 July 2008

تلامس بيروت ولنا عبد الرحمن










حرب، دمار، نساء، رجال، حب، فشل، خوف، بيروت: شوارعها، مخابزها، طرقاتها. الإنترنت، الإيميل، المدونات، الفلك. الحرب تصنع الرواية، الحرب صنعت بيروت. صنعت أدباً حديثاً، إنها مفاتيح كتابات الروائية اللبنانية المقيمة في القاهرة "لنا عبد الرحمن" التي احتفلت أخيراً بصدور روايتها الجديدة "تلامس". إنها قصة فريدة من نوعها تدور أحداث أسطرها في بيروت قبيل حرب تموز، من خلال شخصيات عدة لكل منها حكاية ما أغلبها تدور في إطار الحرب الأهلية وما تعكسه على لبنان اليوم، لتظهر لنا في النهاية أن اللبنانيين وحتى أولاد الجيل الجديد الذي لم يعيش حروب الأباء، لم يشفوا بعد منها حينَ يستمعون إلى حكايات الأمهات والجدات عن تلك الحقبة الحرجة من تاريخ لبنان. هذا الكتاب هو الخامس في مسيرة الكاتبة الأدبية بعد كتابها "شاطئ أخر" النقدي ومجموعتيها القصصيتين "أوهام شرقية" و"الموتى لا يكذبون" وروايتها الأولى "حدائق السراب".

إن أول ما يسترعي انتباه القارئ أثناء قراءته للرواية أو إلى أيٍ من كتابات "لنا"، الأثر الذي تتركه الحرب في داخلها، وهذ ليس فقط في كتابات "لنا" وحدها، وانما أغلب الأدباء اللبنانيين على مر العقود الأخيرة. فنقرأ في مجموعتها "أوهام شرقية" نصوصاً أبطالها يعيشون حالة الحرب اللبنانية والصراعات النفسية والهواجس التي في داخلهم آنذاك، بينما في "الموتى لا يكذبون" نقرأ قفشات سريعة من حياة أناسٍ لا تزال آثار الحرب داخلهم مما تسبب لهم وللقارئ أزمة ما. وأظن بأن الذي تكتبه "لنا" حول هاجسها الحربي، هو نوع من إظهار رعب تعيشه اثر كابوس يجتاح لبنان الذي يعيش اليوم على مفترق الأضداد. هذا الرعب غشاء لما يقوله الروائي الألماني "غونتر غراس" حينَ حكى عن الحرب في رواياته: "أنا كتبت عن الحرب في" طبل الصفيح " وفي "القط والفأر". ولكن كتبته بعد شيء من الزمن. وهذا حدث أيضاً مع الأدب الإسباني. يتأخر الإنسان بكتابة الرعب الذي عاشه". فالكاتبة لم تكتب روايتها "تلامس" عبثاً، إنما بعد أن شاهدت حرب تموز حينَ كانت هناك في العطلة الصيفية، لتستيقظ ذاكرتها من جديد وتعود بنصوص نشرتها بإنتظام في جريدة "القدس العربي" إلا أنها لم تروي عطشها ولم تخبرنا باقي القصة، فبدأت بروايتها التي خطفتها من رحم اللحظة، وحضنت بعض أسطرها من تحت أنقاض الحرب وأنفاس الذاكرة. إن الهاجس المتكون في رواية الحرب والدمار هو مرآة لنفسية الكاتب، كما حدث مع "ارنست همنغواي" حين كانت الحرب موجة اصطاد منها أعظم رواياته "وداعاً للسلاح" و"لمن تقرع الأجراس". وهنا بالذات تقع اشكالية: هل الكاتب محظوظ بهذه الحروب التي خاضها أم أنه عاش في لعنة ستجعله يكرر نفسه في كل ما يكتبه من قصص وروايات؟

في البداية، يحصرنا الغموض في الرواية، ذلكَ أننا نقف عاجزين في وسطها متسائلين عن الشي المفقود فيها، والذي تريد الكاتبة أن تحكيه لنا. فالنص جاء مبعثراً ومليئاً بالحكايا المتباعدة والمتداخلة، حتى يتيه القارئ فيه ويصبح عاجزاً عن تحليله أو معرفة السر فيه. فالرواية تبدأ من قصة عمّة البطلة "رجاء" والتي تزورها البطلة "ندى" وجدّتها من حينٍ إلى أخر في مصح الأمراض العقلية، فتسرد الكاتبة بعض الحكايات التي تسمعها من الأقارب حول السبب الحقيقي لجنون العمّة، وتنتهي سرد الحكايات والاقاويل دون أن نعرف ما هو السبب الحقيقي في جنونها، إنه لغز مرتبط ارتباطاً تاماً في نبوءة تكشفها الكاتبة لاحقاً، لندرك على حين غفلة أن العمة ليست سوى بيروت التي تعيش امرأة مجنونة ولا أحد يعرف السبب الرئيسي في جنونها. إننا نكتشف ذلكَ أثناء رؤية البطلة "ندى" كابوس غريب عن فئران غريبة بشوارب مجتمعة تتحدث بأصوات عالية، ثم تنطلق بسرعة تركض فوق جسد عمتها العاري. إنها نبوءة البطلة في الحرب القادمة، ولا يمكنني أن أخفي إعجابي بهذا الجنون الذي أسر العمة، على الرغم من النهاية المفجعة التي وضعتها الروائية لهذا الجنون.

قد يبدو هذا الأسلوب في وضع شخصية العمة كمثال لبيروت رمزياً، إنه يعتمد على صيغة الرمز المباشر في الطرح، ولو أننا نعتقد أن البطلة "ندى" هي الأساس في القصة، وهي الشخصية المحوارية، إلا أننا نكتشف في الأسطر الأخيرة فقط، أن العمة "رجاء" هي التي تقيس الأحداث وتلعب بها، وهي الساحة التي تدور داخلها الشخصيات، والمسرح الذي تسرد على خشبته الحكايا.






محمدو


في الرواية أيضاً بعض الإسقاطات للحركة الإجتماعية في لبنان، فعلى الرغم من التحرر المعروف في لبنان، إلا أن الكاتبة تظهر لنا بعض الإشكاليات الإجتماعية التي تجعل لبنان محاصرة بالعادات والتقاليد كسائر الدول العربية. يظهر ذلكَ بعد حوار بين البطلة وصديقتها "هاديا" حول الظواهر الإجتماعية في لبنان، من ما يعرف بالـ"مساكنة" وكذلك مصالح مادية كما بين "هاديا" وشاب خليجي وغيرها من الظواهر الأخرى، فتسرد صديقة البطلة قصة شاب قتل أخته "غسل شرف". وكذلك من الظواهر الإجتماعية التي تؤثر في حياة البطلة، علاقتها بـ "محمدو" الشاب الإفريقي الأسود اللون، الذي التقت به البطلة في "المركز الثقافي الفرنسي"، وعلى الرغم من أنها كانت تلمح في الفصول الأولى عن علاقة جمعت البطلة بمحمدو حتى يشعر القارئ أن الرواية ستكون قصة حب، إلا أن الكاتبة وظفت فصلاً كاملاً بعنوان "هوى بري" تتحدث فيه عن البطلة ومحمدو وأسرار وتفاصيل قصتهما. تقول البطلة أن علاقتها بمحمدو "شغف مبتور وغير عاقل"، ويتضح لاحقاً أن علاقة "ندى" البيضاء و"محمدو" الأسود غير مقبولة اجتماعياً، حينَ أرادت "ندى" أن تضع أصابعها على شفاه "محمدو"، فيقول لها الثاني: "ليس هنا"، وتنهي الكاتبة الفقرة بإسقاط إجتماعي حينَ يدعو "محمدو" البطلة لمنزله، تقول: "غداً صباحاً بمقدوري ن أكون معه وحده، من دون هذه الأعين الرقيبة التي ألمح سخريتها لوجودي مع شاب أسود".

تنتهي قصة "ندى" و"محمدو" بطريقة عادية جداً ودون صخب. الكاتبة توَضح لنا أن الشغف عندما ينتهي ينتهي بصمت ولا يحدث جلبة، وعلى الرغم من شغف البطلة بحبها "محمدو"، إلا أنها لم تستطع البقاء معه لعدم قدرتها على قراءة أفكاره - أفكار مخيلته. على الرغم من أن الكاتة تظل تذكر "محمدو" في باقي الفصول وتضيف مشاهد بينه وبين "ندى" حتى أخر الرواية.

نظريات فلكية وعوالم إنترنت

أشياء كثيراً ما نقرأها في عوالم "لنا عبد الرحمن" السردية: الفلك والإنترنت. ربما تكون إضافتها فقط شغف بهذه الأشياء التي تعبر عنها وعن عالمها الذي تعشقه. وعلينا الإعتراف أنها تضيف نكهة مميزة للسرد. تخصص الكاتبة أسطر كثيرة من الرواية تصف فيها علاقة البطلة بالإنترنت والمدونات والماسنجر والإيميل. في الصفحات الأولى من الرواية تكتشف الكاتبة عن وجود شاعرة تدعى "ناهية نصار"، عاشت في الخمسينات من القرن العشرين، وأنشأت صحيفة عن المرأة استمرت في الصدور لمدة عامين، ضاعت معظم كتابتها الشعرية وتحاول البطلة أن تبحث عن كتاباتها وعن تاريخها، لهذا تبحث عن أبناءها المقيمين في "كاليفورنيا" لمجرد شغف بمعرفة تاريخ تلك الشاعرة المنسية.

تلامس الرواية وبيروت

النهاية التي اختارت لها الكاتبة اسم "جنون تموز" كانت نهاية الجميع. "عبدو" أحد أصدقاء البطلة يقتل زوجته "نجلاء" بعد أن اكتشف خيانته لها. البطلة تكون في سيارة التاكسي، تسمع للأغاني الوطنية وترى الناس يوزعون الحلوى، تسأل السائق فيجيبها أن رجال "حزب الله" مسكوا جنديين اسرائيليين. العمة "رجاء" تموت، ولا تعرف البطل ماذا سيكون مصيرها أثناء الحرب.

تلامس أكثر من مجرد رواية. يمكن اعتباره تقرير عن لبنان اليوم، ونبوءة "لنا عبد الرحمن" وهاجس الحرب هي صفحة من ذاكرة الماضي. نعم، الماضي، ماضي الحرب التي جاءت بالدم والدمار ورائحة البارود والجثث المرمية على الطرقات، والفساد، والدعارة، والضياع، والملاجئ. إن الحرب "تنتج أدباً عظيماً" كما يقول الكاتب "جوناثان ياردلي".