
1
هل كانَ موزرات، الموسيقي العالمي، صاحبِ أروع السمفونيات والأوبرات العالمية يحتفظ بكامل ما يكتبُ في رأسه؟ كانَ موزرات، بعدَ أن يتمّ تأليف سمفونية ما، يجلسُ في الصالون، ويبدأ في استنساخها على الورق. أصدقائه قالوا أنهم ذهبوا إلى بيته ذاتَ مرةٍ ليرافقهم إلى البار لقضاء سهرة طيبة، فوجوده قاعدًا على الكرسي أمامَ ورقة يكتبُ، فتحركوا على رؤوس أصابعهم منسحبين، إلاّ أنه انتبه لوجودهم وطلبَ منهم الجلوس بقربه ريثما ينتهي من استنساخ سمفونيته الجديدة، وحينَ أبدو تعجبهم لما سمعوه منه، إذ أنه يملكُ ورقة واحدة ولا مسودّة يبيّضها، قالَ لهم بأنه ينسخُ السمفونية من رأسه.
الخطاب الأدبي يحتاجُ أحيانًا إلى استعادة عدّة أوراق وتنظيم مجرى الكتابة. تصوّروا مثلاً كاتبًا يجلسُ ساعةً لوحده دونَ ورق وهو يحدّق في نافذة غرفته، ثمّ في اليوم التالي يجلسُ أمامَ أكداس الورق، ويملأها بكل ما خطر في باله في الليلة السابقة وعيناه شاهقتان في النافذة.
التحدّثُ إلى القارئ أشبه بخطاب دراماتيكي مركّب وزائف، تملأهُ الشوائب والتناقضات والمشاكل المتراكمة فوقَ بعضها البعض، لتسمّى في النهاية (موقفًا). يمكن اعتبَار الكاتب، جنديًا مجهولاً رغمَ تلألئ اسمه فوقَ أو تحت نصه، فالقارئ لا يعرفُ الكاتبَ إلاّ بالإسم أو بالصورة الكلاسيكية المضحكة على رأس المقال، عابسَ الوجه، شعره مسرّحًا بطريقة فنتازية أو ربّما ينظرُ إلى سماء معلّقةً في البعيد وكأنه يبحثُ عن شيء لا يعرفُ القارئ ما هو. ماذا لو ماتَ موزرات دونَ أن يدوّن موسيقاه؟ كنّا قد خسرنا الكثير، وما كانت فيروز ستغنّي بألحانه (يا أنا يا أنا). وربما لم تكن هناكَ مدارس ومؤسسات اليوم تناقش مؤلفاته وأوبراته، وما كان بيتهوفن بذاتِ القوة التي هو عليها اليوم، بعدَ أن استفاذ من مؤلفات سلفه.
سأروي لكم ما أقصده بهذه المقالة، ولكن دعوني الأن أتحّث عن تاريخ صورة الكاتب. فهي ترجع إلى زمن بعيد، أيام كان الأديب أسطورة، وكانَ يرتدي القبعات الإفرنجية والبذلات المهندمة وربطات العنق الملتوية على عنقه حدّ الخنق، وللأسف الشديد – طبعًا – كانَ على (..)، وهو شاعر شاب جميل، متناقض الأفكار، كثيرَ البكاء على الأطلال أن يرتدي بذلات محترمة أو حتى قمصانًا وبنطولونات قماش وأن يسرّحُ شعره إلى الخلف، وأن يسير بطريقة تراجيدية، لكي يعتبره من يراه كاتبًا وفيلسوفًا محترمًا، يفكّر بأشياء لا يمكن للمخلوق العادي أن يفكرَ فيها، ومن هذه النقطة بالتحديد، قررتُ الكتابة عنه.
في الحقيقة، التقيتُ بذلكَ المخلوق الكاتب في عدّة مناسبات، وتناقشنا حولَ الوضع الثقافي وأخر التطورات على الساحة الأدبية، ولم أرتَح أبدًا لمظهره الذي كان يبدو فيه كتشارلز ديكنز، هاربًا من صورة عتيقة في متحفٍ انكليزي كلاسيكي. وهو بدوره لم يشعر بالراحة تجاهي لأنني كنتُ أرتدي سروال جينز فضفاض وقميص كُتب عليه كلمات غريبة لمحطة قطارات في نيويورك على ما أعتقد. وحينَ قلتُ له أنني كاتب، بدأ عليهِ الإنزعاج، وسألني على الفور عن كتاباتي، فقلتُ له (القصة القصيرة، وأكتبُ رواية في الوقت الحالي). وحينَ سألته عن كتاباته، قالَ أنه يكتب اطروحات فكرية حولَ نظريات نيتشة وبنيوية ميشيل فوكو، وما بعدَ الحداثة لدى الكتّاب الأمريكان الجدد، كما أنّه كتبَ روايتين عن آيديولوجيا الأرض، بالإضافة إلى ملحمة شعرية بعنوان (المنفى)، يعتقدُ بأنها ستكونُ أشبه بملحمة (أحمد الزعتر) لـ محمود درويش.
المشكلة يا سادة، أنني استعدتُ قصة موزارت وكتابة مؤلفاته الموسيقية في رأسه، حينَ لم أقرأ يومًا كتب المخلوق الكاتب التراجيدي، بل وحينَ استضافني في بيته، وطلبتُ رؤية مخطوطات ما يكتبه، كانَ يجيب، أنه لا يملكُ الوقت الكافي لإضاعة وقته في الكتابة، وأنّه موزارت الأدب، إذ أنه يحتفظ بكتاباته في رأسهِ، كي لا يضيّع الوقت في كتابتها، ومن ثمّ يندمُ على نشرها.






